الكنيسة القبطية من المحلية... إلى العالمية
لاشك أن عهد قداسة البابا شنودة الثالث - أدام الله حياته - قد شهد تطوراً هائلاً وواضحاً، وهو انتقال الكنيسة القبطية من المحلية إلى العالمية. ومع أن كنيستنا القبطية الأرثوذكسية كانت على مدى تاريخها كنيسة كارزة، إذ شهدت فى عصورها الأولى كرازة امتدت شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً، إلا أن هذا الملمح انحسر بعض الشئ فى عصور تالية، ثم عاد إلى الظهور مرة ثانية فى عهد قداسته. فكنيستنا معروفة فى تاريخها بأنها كرزت شمالاً فى فلسطين وآسيا الصغرى, وجنوباً فى اريتريا وإثيوبيا, وشرقاً حتى إلى الهند, وغرباً حتى إلى سويسرا وإيرلندا, وذلك عن طريق آباء ومُعلمى مدرسة الإسكندرية, وكذلك عن طريق بعض آباء الرهبان والأقباط، الذين مازالت ذكراهم خالدة فى الوجدان الأوربى بعامة, والايرلندى والسويسرى بخاصة ناهيك عن نفى القديس أثناسيوس فى غاليا، وكتابة سيرة الأنبا أنطونيوس هناك، التى جعلت منه أباً للرهبان فى كل العالم. أما اليوم وبعد جهاد ممتاز من قداسة البابا شنوده الثالث، والعديد من أبنائه الأساقفة والكهنة والرهبان والأراخنة والشعب القبطى، فقد امتدت الكنيسة إلى قارات الدنيا جميعاً. واذكر أننى فى مرة قلت لقداسة البابا "ها قد امتدت الكنيسة إلى كل قارات العالم", فأجابنى قائلاً: "ليس بعد!!", فقلت لقداسته: "أين إذن؟", فأجابنى: "أمريكا الجنوبية", فقلت: "وهل لنا أقباط هناك؟", فأجابنى قداسته: "ومن أدراك؟"... وبالفعل أوفد قداسته نيافة الأنبا سرابيون إلى سفارتينا فى البرازيل والأرجنتين، فاكتشف هناك عدداً قليلاً من الأقباط. وبدأت هناك الخدمة, حتى صار لنا فى أمريكا الجنوبية أسقفان جليلان: "نيافة الأنبا اغاثون (للبرازيل)" و "نيافة الأنبا يوسف (لبوليفيا)". العوامل التى ساعدت على انتشار الكنيسة فى العالم : هناك عدة عوامل ساعدت على انتشار الكنيسة القبطية حالياً فى كل أنحاء العالم أهمها : 1- شخصية وتعليم ومواقف قداسة البابا : لاشك أن قداسة البابا يمتلك شخصية موسوعية الثقافة : اللاهوتية والكتابية والكنسية والعامة, كما أنه استطاع بما يملك من "كاريزما" إن يكون له حضور واضح فى المحافل الدولية والمسكونية, وكذلك فى الصحافة والقنوات الفضائية والدوريات والإنترنت والإذاعة... وذلك من خلال اجتماعه الأسبوعى منذ كان أسقفا للتعلم وحتى الآن، وكذلك كتبه التى زادت عن المائة كتاب، ومقالاته وحواراته التلفزيونية والإذاعية والصحفية. وقد تم ترجمة الكثير من كتب قداسته إلى أكثر من 15 لغة... ونذكر هنا لقاءات قداسته مع الكثير من الملوك والرؤساء فى أمريكا وأوربا وإفريقيا والخليج والعالم العربى, كما نذكر له شهادات الدكتوراة الكثيرة التى نالها من العديد من الجامعات فى أنحاء العالم, لجهوده العلمية والإنسانية والثقافية والوطنية, كما نذكر مفاتيح المدن التى أهديت لقداسته, ومواقفه الذائعة الصيت سواء فى القضية الفلسطينية, أو موضوع الأقليات (هل الأقباط أقلية؟), أو وقوفه الشامخ ضد إباحة وتقنين "الجنسية المثلية"... واذكر هنا مواقفه فى مواجهة قيادات الكنيسة الانجليكانية فى قلب لندن, وفى هاواى, وكندا وغير ذلك. كما أن أحداث سبتمبر فى عهد الرئيس الراحل أنور السادات, وما فعله مع قداسة البابا, جعل العالم كله يتعرف على رجل المواقف, الذى رفض محاولات التطبيع مع إسرائيل مانعاً الأقباط، من زيارة القدس، إلا بعد تحريرها من الاحتلال. 2- انتشار الكنائس والأديرة والاكليريكيات فى مصر والمهجر : صدق من دعا قداسة البابا "كاروز المهجر", فهو - بلا شك - من بذل أقصى الجهود فى رعاية أبنائه الأقباط فى أكبر وأصغر تجمعاتهم, إذ جاهد فى بناء المئات من الكنائس فى أمريكا وكندا وأوربا واستراليا والدول العربية, بالإضافة إلى مئات أخرى داخل مصر, بناها قداسته وأبناؤه الأساقفة والكهنة والأراخنة الأقباط. ونحن نعرف مدى الجهد الذى كان يتابع به قداسته كل كنيسة تم بناؤها أو شراؤها فى المهجر, بالإضافة إلى افتتاحها وتدشينها عندما تكتمل. أضف إلى ذلك سيامة آباء أساقفة، وإرسال أو سيامة كهنة، والعديد من الشمامسة والخدام فى كل مكان. كما امتدت الكنيسة القبطية - بعد وصولها بكثافة إلى تجمعات الأقباط فى المهجر - إلى أماكن أخرى كثيرة مثل: الصين واليابان وهونج كونج وفيجى والمكسيك وماليزيا وسنغافورة وتايلاند وباكستان... الخ. كذلك أسس قداسته أديرة قبطية واكليريكيات جديدة داخل وخارج مصر، دعماً للإيمان المسيحى والعقيدة الأرثوذكسية والتقليد الكنسى فى كل العالم. 3- الكنيسة الإثيوبية وتأسيس كنائس فى اريتريا وفرنسا وإنجلترا : شهد عهد قداسة البابا استقلالاً كاملاً للكنيسة الإثيوبية, وتأسيساً للكنيسة الاريترية (إذ سام قداسته لها خمسة أساقفة ثم بطريركين)... ووضع لكل منها بروتوكولاً يؤكد الاستقلال الإدارى لكل منهما، مع وحدة العقيدة, والتعاون فى العمل الكنسى والرعوى والتنموى فى ميادين متعددة. وكذلك فى عهد قداسته تأسست الكنيستان الفرنسية القبطية، والبريطانية القبطية, حيث سام لهما قداسته مطرانين وأسقفاً, كما اعتمد المجمع المقدس لكليهما بروتوكولاً خاصاً، يوضح مبادئ وقواعد العلاقة والتعاون بين الكنيسة القبطية وبين كل منها. 4- الاشتراك الفعال فى المجالس المسكونية : فقد شجع قداسته الاشتراك الفعال فى مجلس الكنائس العالمى, حتى صار قداسته أحد رؤسائه لفترة, كما تشترك الكنيسة بفاعلية فى كافة لجانه التنفيذية والمركزية, ومختلف نشاطاته, من خلال آباء مطارنة وأساقفة وآباء كهنة وخدام متميزين... أما مجلس كنائس الشرق الأوسط, فقداسته كان أحد رؤسائه لعدة دورات متتالية, بالإضافة إلى الحضور المكثف للكنيسة القبطية الأرثوذكسية فى تفاصيل نشاطاته, على المستويات العالمية والإقليمية والوطنية, حتى صار احد أبناء الكنيسة القبطية سكرتيراً عاماً له. ونفس الأمر تكرر مع مجلس كنائس كل أفريقيا, ومجالس الكنائس فى أمريكا وكندا واستراليا وأوربا... الخ. وتشهد كل هذه المجالس بالحضور النشط والمستمر للكنيسة القبطية, ممثلة فى قداسة البابا, وآباء أساقفة, وكهنة وأقباط... لكن أبرز هذه النشاطات نلحظها فى اللقاء الدورى السنوى لرؤساء الكنائس الشرقية الأرثوذكسية فى الشرق الأوسط: القبطية والسريانية والارمينية, حيث التحمت الكنائس الشقيقة الثلاث فى نشاطات ومحبة وزيارات وتعاون مسكونى غير مسبوق، فى مجالات التعليم اللاهوتى وخدمة الشباب والنشر والترجمة... مع وحدة كاملة فى مواقفها فى المحافل المسكونية والقضايا العامة على المستويات العالمية والإقليمية والوطنية. كما امتد ذلك النشاط إلى بقية كنائس عائلتنا الشرقية الأرثوذكسية كالهندية والإثيوبية والاريترية وكنيسة أرمينيا... 5- الحوارات اللاهوتية : شهد عصر قداسة البابا حوارات لاهوتية غير مسبوقة فى تاريخ كنيستنا، نذكر منها: أ- الحوار مع الكنيسة الأرثوذكسية البيزنطية : الذى شهد عشرات الجلسات، ووصل إلى صيغة موحدة فى الكرستولوجى، والرعاية، يجرى اعتمادها من كنائس العائلتين الأرثوذكسيتين. وقد قام قداسته بزيارة العديد من هذه الكنائس مثل روسيا وأرمينيا ورومانيا وقبرص... ولقداسته علاقات وثيقة مع قيادات هذه الكنائس. ب- الحوار مع الكنيسة الكاثوليكية : الذى بدأ بين الكنيسة القبطية وبينها، ثم امتد ليشمل العائلة الشرقية الأرثوذكسية. وقد تم الاتفاق فى موضوع الكرستولوجى، وجرت مناقشة العديد من الخلافات حول: انبثاق الروح القدس، والمطهر، ومفهوم الكنيسة... وجارى استكمال الحوار فى المزيد من القضايا. ج- الحوار مع الكنائس المصلحة WARC : وقد انتهى الفصل الأول منه، فى جلسات كثيرة فى مصر وهولندا وأمريكا والهند وغيرها.. وقد تم بحث موضوعات كثيرة حول الكتاب المقدس والكنيسة.. د- الحوار مع الكنائس : الإنجليكانية واللوثرية والمشيخية : وهو حوار جرى ويجرى الآن، وان كان يتوقف أحياناً نتيجة موقفنا من اعتماد بعضهم للجنسية المثلية، وانقسامهم الداخلى حول هذا الأمر. 6- المواقف الوطنية والاجتماعية والإنسانية : لقداسة البابا نشاط بارز فى مختلف الموضوعات المطروحة على الساحات: الوطنية والاجتماعية والإنسانية... وقد شهد عهد قداسته حضوراً مكثفاً للكنيسة فى أمور مثل: أ- الحوار المسيحى الاسلامى : فى جلسات ممتدة لسنوات... وعلاقات وثيقة مع فضيلة شيخ الأزهر وكبار القيادات الإسلامية، مع حضور قداسته للمؤتمرات الإسلامية العالمية وإلقائه محاضرات فيها... تكون موضع تقدير عالمى. ب- القضية الفلسطينية : فى علاقة مشهودة بالزعيم الراحل ياسر عرفات، وفى موقف مشهود ضد زيارة الأقباط للقدس المحتلة، ودعم مستمر لحقوق الفلسطينيين فى مختلف وسائل الأعلام، وفى كل زيارات قداسته لأنحاء العالم. ج- القضايا الاجتماعية والإنسانية : مثل لقاءاته وكتاباته حول: - المرأة ودورها فى الكنيسة والمجتمع. - الإجهاض. - زراعة الأعضاء. - القتل بدافع الرحمة بالمريض. - الهندسة الوراثية وبحوث الخلايا الجذعية. - الاستنساخ. وغير ذلك من الموضوعات التى ناقشها قداسته فى ندوات عامة وكنسية، فى مجلس الشعب والجامعات المصرية والأجنبية والنوادى الشهيرة كالليونز واللوتارى... 7- رحلات قداسته حول العالم : قام قداسته برحلات كثيرة بلغت 39 رحلة حتى الآن، اسهمت فى عالمية الكنيسة القبطية، وهذا بيانها : 1- إلى ليبيا (مارس 1972م). 2- إلى روسيا ورمانيا وتركيا وسوريا ولبنان (أكتوبر 1972م). 3- إلى الفاتيكان - إحضار جسد الأنبا أثناسيوس الرسولى من روما (مايو 1973م). 4- إلى أثيوبيا (سبتمبر 1973م). 5- إلى أمريكا وكندا (أبريل ومايو 1977م). 6- إلى السودان (فبراير 1978م). 7- إلى إنجلترا وسويسرا (يناير وفبراير 1979م). 8- إلى كينيا وزائيير (أكتوبر 1979م). 9- إلى روسيا (يونيو 1988م). 10- إلى إنجلترا وكندا وأمريكا واستراليا (أغسطس إلى ديسمبر 1989م). 11- إلى ألمانيا وإنجلترا (نوفمبر 1990م). 12- إلى أمريكا واستراليا وكندا (يناير إلى مارس 1991م). 13- إلى أمريكا وسويسرا (أغسطس وسبتمبر 1991م). 14- إلى هولندا وإنجلترا وأمريكا (فبراير ومارس 1992م). 15- إلى سويسرا وألمانيا وإنجلترا وأمريكا وكندا (أغسطس وسبتمبر 1992م). 16- إلى سويسرا وأمريكا (مارس 1993م). 17- إلى أمريكا واستراليا وإنجلترا والدانمرك والسويد (أغسطس وسبتمبر 1993م). 18- إلى كينيا وجنوب أفريقيا وزيمبابوى وزامبيا (يناير 1994م). 19- إلى هولندا ورومانيا وإنجلترا وايرلندا وأمريكا (سبتمبر وأكتوبر 1994م). 20- إلى قبرص (نوفمبر 1994م). 21- إلى سويسرا وفرنسا وقبرص (فبراير 1995م). 22- إلى ارمينيا (أبريل 1995م). 23- إلى لبنان (يوليو 1995م). 24- إلى جنوب أفريقيا واستراليا وهنولو وأمريكا وإنجلترا (أغسطس وسبتمبر 1995م). 25- إلى رومانيا وإنجلترا ودبى وأمريكا (أكتوبر ونوفمبر 1995م). 26- إلى لبنان (يونيو 1996م). 27- إلى المملكة الأردنية الهاشمية (يونيو 2005م). 28- إلى أمريكا (يونيو 2006م). 29- إلى أمريكا (أغسطس 2006م). 30- إلى أمريكا (نوفمبر 2006م). 31- إلى أمريكا والمكسيك (يناير 2007م). 32- إلى دمشق (أبريل 2007م). 33- إلى أبو ظبى بدولة الإمارات (أبريل 2007م). 34- إلى أمريكا (يوليو 2007م). 35- إلى أمريكا (أغسطس 2007م). 36- إلى أمريكا (يناير 2008م). 37- إلى أثيوبيا (أبريل 2008م). 38- إلى أمريكا (مايو 2008م). 39- إلى أمريكا (يونيو ويوليو 2008م). لاشك أن قداسة البابا - أدام الله حياته - قد استطاع الخروج بالكنيسة القبطية - بنعمة الله ومعونته - من المحلية إلى الإقليمية... ومن الإقليمية إلى العالمية... شهادة للإيمان الحىُ الذى استودعه الرب فى كنيستنا المقدسة، من خلال الكتاب المقدس، والآباء الكارزين، والتقليد الرسولى... حتى صار قداسته علامة بارزة فى تاريخ كنيستنا المجيدة.نرجو لقداسته من الرب حياة مديدة، واستمراراً لنشاطه المثمر، لمجد السيد المسيح، وامتداد ملكوته، وعمل كنيسته المقدسة
|